العدالة المجالية في المغرب. بين إكراهات الواقع ورهانات النموذج التنموي الجديد.

  • بتاريخ : مارس 25, 2026 - 6:55 ص
  • الزيارات : 42
  • قلم الناس

    ✍️ بقلم ذ: هيثم دكداك
    ليست العدالة المجالية مجرد شعار يُرفع في الخطابات أو مطلبًا ظرفيًا يُستدعى في سياقات الاحتجاج، بل هي في جوهرها ركيزة أساسية لأي مشروع تنموي يسعى إلى تحقيق الكرامة الإنسانية والإنصاف الاجتماعي. فحين تختل موازين التوزيع بين الجهات، وتتعمق الفوارق بين المركز والهامش، لا يصبح الحديث عن التنمية سوى واجهة تخفي أعطابًا بنيوية عميقة.
    لقد عرف المغرب خلال العقود الأخيرة دينامية تنموية ملحوظة، تجلت في تحديث البنيات التحتية وتعزيز جاذبية الاستثمار وتوسيع قاعدة المشاريع الكبرى. غير أن هذه الدينامية، رغم أهميتها، لم تُفضِ دائمًا إلى توزيع متكافئ لثمار النمو، حيث ظلت مناطق واسعة تعاني من ضعف الولوج إلى الخدمات الأساسية، ومن هشاشة اقتصادية واجتماعية تُقيد إمكاناتها وتحد من فرص اندماجها في الدورة الاقتصادية الوطنية.
    إن إكراهات العدالة المجالية في المغرب متعددة ومتشابكة؛ فمن جهة، هناك إرث تاريخي من التفاوتات المرتبطة بتمركز الثروة والاستثمار في محاور محددة، ومن جهة أخرى، تبرز محدودية الحكامة الترابية في بعض الأحيان، وضعف التنسيق بين السياسات العمومية، فضلًا عن إكراهات التمويل والموارد البشرية. كما أن الفوارق في جودة التعليم والصحة والبنيات التحتية تُعيد إنتاج نفس التفاوتات عبر الأجيال، مما يجعل من تجاوزها تحديًا مركبًا يتطلب نفسًا إصلاحيًا طويل الأمد.
    في هذا السياق، جاء النموذج التنموي الجديد ليضع مسألة العدالة المجالية في صلب رؤيته الاستراتيجية، باعتبارها مدخلًا لا غنى عنه لتحقيق تنمية شاملة ومستدامة. فقد أكد على ضرورة الانتقال من منطق “تنمية المراكز” إلى منطق “تنمية المجالات”، عبر تمكين الجهات من أدوار أكبر في التخطيط والتنفيذ، وتعزيز اللاتمركز الإداري، وتوجيه الاستثمارات نحو المناطق الأقل حظًا، بما يضمن تقليص الفوارق وتحقيق نوع من التوازن الترابي.
    ولا تنفصل العدالة المجالية عن الرهانات الاقتصادية الكبرى للبلاد؛ فاقتصاد يقوم على التفاوتات الحادة هو اقتصاد محدود الفعالية، غير قادر على تعبئة كامل طاقاته. إن إدماج المجالات المهمشة في الدورة الاقتصادية يفتح آفاقًا جديدة للنمو، ويخلق فرصًا للاستثمار المحلي، ويُسهم في توسيع السوق الداخلية، وهو ما ينعكس إيجابًا على معدلات التشغيل ومستوى العيش. بذلك، تصبح العدالة المجالية ليس فقط مطلبًا اجتماعيًا، بل خيارًا اقتصاديًا استراتيجيًا.
    أما على مستوى الواقع المعيشي، فإن غياب العدالة المجالية يُترجم في تفاصيل الحياة اليومية للمواطن: في صعوبة الولوج إلى العلاج، في الهدر المدرسي، في البطالة المقنّعة، وفي الهجرة القسرية نحو المدن. إنها معاناة صامتة في كثير من الأحيان، لكنها عميقة الأثر، تُغذي الشعور بالتهميش وتُضعف الثقة في المؤسسات. لذلك، فإن تحقيق العدالة المجالية يمر بالضرورة عبر تحسين جودة الخدمات العمومية، وتقريبها من المواطن، وضمان تكافؤ الفرص بين مختلف الفئات والجهات.
    غير أن تنزيل هذا الطموح على أرض الواقع يظل رهينًا بتحديات حقيقية؛ من أبرزها القدرة على إصلاح الإدارة وتعزيز نجاعتها، ومحاربة كل أشكال الريع والفساد، وتوفير التمويل الكافي للمشاريع المهيكلة، إضافة إلى ترسيخ ثقافة التقييم والمحاسبة. كما أن نجاح هذا الورش يتطلب انخراطًا جماعيًا، لا يقتصر على الدولة، بل يشمل الجماعات الترابية والقطاع الخاص والمجتمع المدني.
    في المحصلة، تظل العدالة المجالية في المغرب أفقا مفتوحا، يتطلب إرادة سياسية قوية، ورؤية متكاملة، وعملًا متواصلًا. إنها ليست هدفًا نهائيًا بقدر ما هي مسار إصلاحي طويل، يُقاس بمدى قدرة السياسات العمومية على تغيير الواقع الملموس للمواطن، وإعادة بناء الثقة في إمكانية تحقيق تنمية عادلة وشاملة. فبدون عدالة مجالية، تظل التنمية ناقصة، وبدون تنمية منصفة، يبقى الاستقرار هشا مهما بلغت مؤشرات النمو.
    الأستاذ: هيثم دكداك. فاعل سياسي. نقابي. فاعل جمعوي.