Find Articles

قلم الناس

بقلم ذ. هيثم دكداك | فاعل سياسي ونقابي

تقترب الاستحقاقات التشريعية بالمغرب لسنة 2026 في سياق وطني ودولي دقيق، تتقاطع فيه التحولات الاقتصادية مع التحديات الاجتماعية، وتتعاظم فيه انتظارات المواطن المغربي الباحث عن وضوح الرؤية ونجاعة الاختيارات. فهي ليست مجرد محطة انتخابية عابرة، بل لحظة مفصلية لإعادة ترتيب الأولويات، وتجديد الثقة بين الفعل السياسي والواقع المعيشي.

لقد أضحت الأوضاع الاجتماعية، بما تحمله من ضغط على القدرة الشرائية وارتفاع تكاليف المعيشة، في صلب النقاش العمومي، مما يجعل من هذه الاستحقاقات مناسبة لطرح بدائل واقعية تتجاوز الشعارات، نحو سياسات عمومية قادرة على تحقيق التوازن بين النمو الاقتصادي والعدالة الاجتماعية. فالمطلوب اليوم ليس فقط تسريع وتيرة التنمية، بل ضمان توزيع عادل لثمارها، بما يكرس الكرامة ويحد من الفوارق المجالية.

وعلى مستوى التنمية الاقتصادية، يقف المغرب أمام رهانات كبرى تفرض تعزيز تنافسيته، واستثمار موقعه الاستراتيجي، وتنويع اقتصاده الوطني، خاصة في ظل تقلبات الاقتصاد العالمي. ومن ثمة، فإن البرامج الانتخابية المنتظرة مطالبة بتقديم تصورات مبتكرة لدعم الاستثمار، وتحفيز المقاولة الوطنية، وخلق بيئة اقتصادية قادرة على الصمود أمام الأزمات.

أما فئة الشباب، التي تشكل عماد الحاضر وأفق المستقبل، فتظل في قلب هذه الرهانات. إذ لم يعد مقبولاً أن تبقى طموحاتها رهينة اختلالات سوق الشغل وضعف الإدماج الاقتصادي. وعليه، فإن الاستحقاقات المقبلة مطالبة ببلورة سياسات مندمجة تُعنى بتأهيل الرأسمال البشري، ودعم المبادرة الحرة، وفتح آفاق التشغيل، بما يعيد الأمل ويعزز الانتماء.

وفي موازاة ذلك، تبرز ضرورة تطوير الخدمات الاجتماعية، خاصة في مجالات التعليم والصحة والحماية الاجتماعية، باعتبارها ركائز أساسية لنموذج التنموي الجديد. فالإصلاح الحقيقي لا يقاس فقط بالمؤشرات الاقتصادية، بل بمدى انعكاسه على جودة حياة المواطن، وقدرته على الولوج إلى خدمات عمومية ذات جودة وكرامة.

كما لا يمكن إغفال التحديات الخارجية، التي تفرض على المغرب يقظة استراتيجية مستمرة، سواء في ما يتعلق بالأمن الطاقي والغذائي، أو بالتقلبات الجيوسياسية التي تلقي بظلالها على الاستقرار الاقتصادي. وهو ما يستدعي سياسات استباقية تعزز السيادة الوطنية، وتحصن المكتسبات، وتفتح آفاق شراكات متوازنة.

إن استحقاقات 2026 ليست مجرد تنافس انتخابي، بل امتحان حقيقي لمدى قدرة الفاعل السياسي على الإنصات لنبض المجتمع، وتحويل التحديات إلى فرص، وبناء تعاقد جديد قوامه الثقة والمسؤولية. فالمغاربة اليوم لا ينتظرون وعوداً بقدر ما يتطلعون إلى أفعال، ولا يراهنون على الخطاب بقدر ما يطلبون نتائج تلامس واقعهم وتؤسس لمستقبل أكثر إنصافاً واستدامة.

قلم الناس

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *