وقد أثار هذا السطر الأخير استجابة حماسية في مبنى الكابيتول وهتافات جامحة من أنصاره الذين تجمعوا في صالة رياضية قريبة، وهذا دليل على أن القضايا الثقافية تظل واحدة من أقوى الأساليب التي يستخدمها ترامب للتواصل مع قاعدته الشعبية، لاسيما وأن هذه القضايا رسمت جيدا ملامح التناقضات الأكثر وضوحاً مع نهج الديمقراطيين خلال مسيرة انتخابات الرئاسة في العام الماضي.
خلف ترامب جلس سلفه جو بايدن وغيره من الديمقراطيين على جانب واحد بملامح جامدة، وقال ترامب إن الحكومة تواجه “أزمة ثقة”، وأدان “الاستغلال الشرس والعنيف وغير العادل” لوزارة العدل الأمريكية كأداة لتحقيق أهداف، لاسيما وأنها سبق وحققت معه وسعت إلى محاكمته بسبب طعنه في نتائج انتخابات 2020.
ادعى ترامب أنه يتمتع بتفويض لتغير مسار ما وصفه بـ “الخيانات البشعة”K وهاجم ما أطلق عليه “المؤسسة المتطرفة والفاسدة” التي قال إنها استحوذت على السلطة والثروة من المواطنين الأمريكيين.
ومثّل هذا النوع من الخطاب الشعبوي المناهض للنخبة عنصرا أساسيا في جميع خُطب ترامب على مدار عشر سنوات. وكان يجلس خلف ترامب على المنصة مجموعة من أغنى وأقوى قادة الشركات في العالم.
وفي يوم تنصيبه، تمتع ترامب بحس الانتباه والمبادرة، كما تعهد مساعدوه باتخاذ مئات الإجراءات التنفيذية بشأن مجموعة من القضايا، من بينها الهجرة والطاقة والتجارة والتعليم والقضايا الثقافية محل الجدل الساخن.
تطرق ترامب، في خطاب تنصيبه، بالتفصيل إلى ذكر عدد قليل من تلك القضايا، متعهدا بإعلان حالة الطوارئ الوطنية بشأن قضيتي الطاقة والهجرة، مما يسمح له بوضع قوات أمريكية على الحدود، والحد بشكل كبير من حقوق طالبي اللجوء وتوسيع رقعة مساحات كبيرة من الأراضي الفيدرالية لاستخراج الطاقة، كما تعهد من جديد بتغيير اسم خليج المكسيك إلى “خليج أمريكا” واستعادة قناة بنما.
كما ادعى على نحو لا أساس له من الصحة بأن الصين تتحكم في القناة الرئيسية، وقال إن السفن الأمريكية، بما في ذلك السفن البحرية، تدفع رسوما باهظة للعبور، ربما تلميحا منه إلى الهدف الحقيقي من إجراء مفاوضات في المستقبل مع حكومة بنما.
وقال ترامب: “ستعتبر الولايات المتحدة نفسها مرة أخرى دولة نامية”، متعهدا بزيادة الثروة الأمريكية وتوسيع مساحة “أراضينا”.
قد يثير هذا الجزء الأخير انتباه حلفاء الولايات المتحدة، الذين أعربوا بالفعل عن قلقهم بشأن اهتمام ترامب بجزيرة غرينلاند وتعليقاته بشأن جعل كندا الولاية الأمريكية رقم 51.
طرح ترامب، خلال حملته الانتخابية، وفي هذا الخطاب، سلسلة من الوعود الكبيرة، والآن بعد أن أصبح رئيساً للبلاد، سيواجه تحديات تكمن في الوفاء بما سبق ووعد به، وإبراز ما يعنيه بعبارة “العصر الذهبي” الذي يبشر به بالفعل.
وبعد أن أنهى خطابه ورأى بايدن يغادر على متن مروحية تابعة لمشاة البحرية، ألقى ترامب تصريحات مرتجلة أمام حشد من أنصاره، وهناك ظهر مجدداً ترامب الأكثر عفوية، ذلك الشخص الذي يثير عناوين الأخبار الرئيسية ويقلب المشهد السياسي الأمريكي رأساً على عقب.
قال إن انتخابات 2020 كانت “مزوّرة”، واتهم رئيسة مجلس النواب السابقة، نانسي بيلوسي، بمسؤوليتها جنائياً عن أعمال اقتحام مبنى الكابيتول في السادس من يناير/كانون الثاني 2021، وتباهى بحجم انتصاره في انتخابات الرئاسة 2024، وقال إنه وافق على مضض على الحديث عن “الوحدة” في خطاب تنصيبه.
كان ذلك مجرد لمحة لما ينتظر ترامب خلال اليوم وخلال السنوات الأربع القادمة.