انتخاب السفير عمر هلال، لرئاسة لجنة بناء السلام برسم سنة 2026

  • الكاتب : أميرة السوحي
  • بتاريخ : يناير 30, 2026 - 1:26 م
  • الزيارات : 95
  • قلم الناس
    يشكل انتخاب السفير الممثل الدائم للمغرب لدى الأمم المتحدة، عمر هلال، لرئاسة لجنة بناء السلام برسم سنة 2026، محطة دبلوماسية بالغة الدلالة، ليس فقط على مستوى الاعتراف الدولي بالمغرب، بل أيضا فيما يتعلق بتحولات النظام الدولي وأزمة تعددية الأطراف التي يشهدها العالم اليوم، فالتزكية التي حظي بها الترشيح المغربي تعكس ثقة متراكمة في أداء المملكة داخل المنتظم الأممي، وقدرتها على الاضطلاع بأدوار قيادية في قضايا السلم والأمن الدوليين.

    من زاوية أولى، يندرج هذا التعيين في سياق الاعتراف المتجدد بالمقاربة المغربية في السياسة الخارجية، والتي تقوم على الجمع بين البراغماتية والبعد القيمي، خاصة فيما يتعلق بالدبلوماسية الوقائية، والوساطة، وإعادة الإعمار بعد النزاعات.

    كما يعكس الامتداد الدولي للرؤية التي يقودها صاحب الجلالة الملك محمد السادس، والتي تضع الاستقرار والتنمية والكرامة الإنسانية في صلب العمل الدبلوماسي، مع تركيز واضح على التعاون جنوب–جنوب بوصفه آلية عملية لمعالجة الاختلالات البنيوية في النظام الدولي.

    ومن زاوية ثانية، تستمد رئاسة المغرب للجنة بناء السلام مشروعيتها من المصداقية الميدانية التي راكمتها المملكة عبر مشاركتها طويلة الأمد في عمليات حفظ السلام الأممية، خاصة في القارة الإفريقية. فالمغرب لا يُنظر إليه كفاعل نظري أو خطابي فقط، بل كدولة ساهمت فعليا بالموارد البشرية والعسكرية والديبلوماسية في تثبيت الاستقرار في مناطق نزاع معقدة، هذه الخبرة العملية تمنحه قدرة أكبر على بناء التوافقات داخل لجنة تضم فاعلين متبايني المصالح والخلفيات.

    ويكتسي هذا التعيين أهمية إضافية بالنظر إلى الظرفية الجيوسياسية الدقيقة التي يأتي فيها. فالعالم يشهد، كما أشار السفير عمر هلال، تصاعدًا غير مسبوق في عدد النزاعات المسلحة، وتراجعا مقلقا لدور القانون الدولي وآليات الحوار. إن وجود أكثر من 130 نزاعًا مسلحًا، وما يترتب عنه من تهديد مباشر لحياة ملياري شخص، يبرز محدودية المقاربات التقليدية للأمن، ويعيد الاعتبار لدور لجنة بناء السلام كفضاء للتفكير الاستراتيجي والوقاية بعيدة المدى.

    وفي هذا الإطار، تبرز الرؤية التي قدمها السفير هلال كرئيس للجنة، والقائمة على تثمين الخبرات الإقليمية والتملك الوطني لمسارات السلام. فبدل فرض نماذج جاهزة، تقترح الرئاسة المغربية مقاربة تشاركية تستلهم خصوصيات كل منطقة: من التجربة الإفريقية في المصالحة وتوطيد السلم، إلى العدالة الانتقالية في أمريكا اللاتينية، وصولًا إلى ثقافة الحوار والتوافق في آسيا. وهي مقاربة تعكس وعيًا عميقًا بتعقيد النزاعات المعاصرة وارتباطها بالسياقات الاجتماعية والثقافية المحلية.

    كما يكتسي تزامن الرئاسة المغربية مع تخليد “أسبوع تدعيم السلام” دلالة رمزية وعملية في آن واحد، إذ يوفر فرصة لتعبئة الإرادة السياسية والموارد المالية حول قضايا غالبًا ما تهمش لصالح الاستجابات الأمنية أو الإنسانية الآنية، وهو ما قد يسمح بإعادة تموقع لجنة بناء السلام داخل منظومة الأمم المتحدة، ليس فقط كهيئة استشارية، بل كفاعل محوري في الربط بين الأمن والتنمية وحقوق الإنسان.

    خلاصة القول، إن رئاسة المغرب للجنة بناء السلام ليست مجرد إنجاز دبلوماسي ظرفي، بل تعبير عن مسار تراكمي عزز مكانة المملكة كفاعل مسؤول وموثوق في القضايا الدولية الكبرى. غير أن نجاح هذه الرئاسة سيظل رهينًا بقدرة المغرب على تحويل هذه الثقة السياسية إلى مبادرات عملية، وعلى التوفيق بين اختلاف المصالح داخل اللجنة، في عالم يتجه أكثر فأكثر نحو الاستقطاب وتغليب منطق القوة على منطق التوافق.