Find Articles

قلم الناس:

بقلم: محمد الطبيب
عضو جمعية الدفاع عن حقوق الإنسان

ليست القضية اليوم أن نحصي عدد النساء اللواتي دخلن البرلمان، ولا أن نحتفي بارتفاع نسبة المرشحات في اللوائح الانتخابية، بل أن نطرح السؤال الذي تتجنبه كثير من القراءات الاحتفالية؛ هل أصبحت المرأة المغربية شريكا فعليا في إنتاج القرار السياسي، أم أن جزءا من حضورها لا يزال محكوما بمنطق التمثيل أكثر من منطق التأثير؟
هذا السؤال ليس تشكيكا في المكتسبات التي راكمها المغرب في مجال مشاركة النساء، ولا تقليلا من قيمة النساء اللواتي اقتحمن المجال السياسي وتحملن مسؤوليات انتخابية وتدبيرية، بل هو دعوة إلى الانتقال من تقييم التجربة بمنطق الأرقام إلى مساءلتها بمنطق الحقوق والنتائج. فالديمقراطية لا تكتمل بمجرد وجود النساء داخل المؤسسات، وإنما تتجسد حين تتوفر لهن فرص متكافئة للمنافسة، وإمكانية حقيقية لتولي المسؤولية، والقدرة على التأثير في الخيارات التي تحدد مستقبل المجتمع.
لقد أعادت الانتخابات التشريعية لاقتراع 23 شتنبر 2026 هذا النقاش إلى الواجهة. فالمعطيات الأولية التي أوردها تقرير الرصد الصادر عن جمعية العلم نور للثقافة والتنمية الاجتماعية – فاس مكناس تشير إلى أن النساء مثلن حوالي 36.47 في المائة من مجموع الترشيحات، فيما بلغ عدد النساء المنتخبات بمجلس النواب، وفق التقرير، 107 نائبات من أصل 395 عضوا؛ وهي مؤشرات تتيح قراءة تطور المشاركة النسائية، لكنها لا تكفي وحدها للحكم على مستوى المساواة داخل الحياة السياسية.
إن الفارق كبير بين أن تكون المرأة مرشحة، وأن تكون في موقع يسمح لها بالمنافسة على أساس متكافئ؛ وبين أن تفوز بمقعد انتخابي، وأن تتمكن من ممارسة صلاحياتها والتأثير في القرار بعيدا عن الإكراهات التنظيمية أو التبعية السياسية. لذلك، فإن الاحتفاء بالأعداد ينبغي أن يصاحبه نقاش جدي حول طبيعة المسارات التي أوصلت النساء إلى المؤسسات، ومدى استقلالية أدوارهن، وحجم المسؤوليات التي يتحملنها داخل الأحزاب والهيئات المنتخبة.
المشكلة لا تكمن في اعتماد آليات لتوسيع التمثيلية النسائية، بل في احتمال تحول هذه الآليات إلى سقف غير معلن للمشاركة، بحيث يحتفى بحضور النساء دون أن تتغير بالقدر الكافي موازين الفرص التي تحدد من يقود، ومن ينافس، ومن يشارك في صياغة الاختيارات الكبرى. المطلوب ليس التراجع عن المكتسبات، وإنما جعلها نقطة انطلاق نحو مساواة أكثر رسوخا، يكون فيها الوصول إلى المسؤولية نتيجة مسار سياسي حقيقي، لا مجرد استجابة ظرفية لمتطلبات التمثيل.
وهنا تبرز مسؤولية الأحزاب السياسية. فالأحزاب ليست مجرد قنوات لتقديم المرشحين في المواعيد الانتخابية، بل مؤسسات للتأطير والتكوين وإنتاج النخب وتداول المسؤولية. ومن ثم، فإن مصداقيتها في الدفاع عن المساواة تقاس بمدى قدرتها على تمكين النساء من قيادة اللوائح المحلية، وتحمل المسؤوليات التنظيمية، والاستفادة من الموارد المتاحة للحملات، والمشاركة في صياغة البرامج والمواقف السياسية.
ويكتسي مؤشر النساء اللواتي يترأسن اللوائح المحلية أهمية خاصة في هذا السياق. فالرئاسة تضع المرشحة في مواجهة مباشرة مع الناخبين، وتختبر قدرتها على بناء الثقة، وتقديم مشروع انتخابي، وحشد الدعم، ومواجهة المنافسة. وإذا كانت المعطيات الأولية للتقرير تشير إلى 121 امرأة ترأست لوائح محلية، فإن الرقم يحتاج إلى تحليل يتجاوز الحصر، نحو معرفة عدد اللوائح التي فازت، وطبيعة الدوائر التي خاضت فيها النساء المنافسة، والفوارق في الموارد والدعم بين المرشحات والمرشحين.
ولا يمكن بناء مساواة سياسية فعلية إذا ظل المجال الانتخابي يتأثر بعوامل تجعل فرص المنافسة متفاوتة. فالمرأة التي تدخل السباق الانتخابي دون تأطير كاف، أو دون إمكانات تواصلية وتنظيمية مناسبة، لا تواجه الناخبين وحدهم، بل تواجه أيضا اختلالات قد تكون متراكمة داخل المجال السياسي نفسه. ومن غير المنصف أن نطالبها بإثبات الكفاءة، دون أن نسائل شروط إظهار تلك الكفاءة والاعتراف بها.
لكن المسؤولية لا تقع على الأحزاب وحدها. فالإعلام يشارك، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، في تحديد من يسمع صوته ومن يبقى خارج دائرة الاهتمام. وحين تتراجع التغطية الإعلامية للنساء، أو تختزل مشاركتهن في صور وحضور بروتوكولي، أو تقدم آراؤهن من زاوية شخصية بدل مضمونها السياسي، فإن المجال العمومي يخسر جزءا من تنوعه، ويحرم الناخب من الاطلاع على برامج وخبرات تستحق التقييم.
إن المطلوب من الإعلام ليس مجاملة المرشحات، ولا منحهن حضورا مصطنعا، بل إتاحة فرص عادلة لعرض البرامج والمواقف، ومناقشة الحلول المقترحة للقضايا التي تشغل المواطنين. فالمساواة الإعلامية لا تعني تغيير معايير المهنية، وإنما تطبيقها دون تحيزات مسبقة، بما يضمن أن يكون الحكم على الفاعل السياسي مرتبطا بما يقدمه من أفكار ومواقف وكفاءة.
وتتضاعف هذه التحديات بالنسبة إلى النساء الشابات والنساء في العالم القروي. فهؤلاء لا يواجهن دائما الإكراهات نفسها التي تواجهها النساء في المراكز الحضرية، إذ قد تتداخل محدودية فرص التكوين، وصعوبة الوصول إلى شبكات التأطير والإعلام، وضعف الموارد، مع المسافة الجغرافية والظروف الاجتماعية. ولذلك، فإن أي سياسة جادة لتوسيع المشاركة النسائية مطالبة بمراعاة الفوارق المجالية، وعدم التعامل مع النساء باعتبارهن فئة متجانسة تمتلك الفرص نفسها.
ومن منظور حقوقي، ينبغي ألا ينظر إلى مشاركة النساء باعتبارها ملفا قطاعيا أو مطلبا يهم النساء وحدهن. إنها قضية تتصل بحقوق المواطنة، وبشرعية المؤسسات التمثيلية، وبجودة السياسات العمومية. فحين تتقلص فرص فئة واسعة من المجتمع في المشاركة المتكافئة في القرار، لا تكون الخسارة محصورة في الأفراد المعنيين، بل تمتد إلى قدرة المؤسسات على الاستفادة من تنوع التجارب والحاجات والتصورات.
ومن هنا تأتي أهمية الرصد المدني المستقل. فالأرقام، حين تجمع وفق منهجية واضحة وتربط بتحليل نوعي، تصبح أداة لفهم الواقع وتحديد مواطن الخلل. أما حين تستعمل بمعزل عن سياقها، فقد تتحول إلى وسيلة للاحتفاء أو الانتقاد دون أن تساعد على تغيير الممارسات. إن القيمة المضافة للتقارير المدنية تكمن في قدرتها على طرح الأسئلة التي لا تجيب عنها النتائج الإجمالية: من يقود اللوائح؟ من يفوز في المنافسة المحلية؟ كيف تتوزع فرص الظهور الإعلامي؟ وما المساحة التي تشغلها النساء في مراكز المسؤولية؟
وفي هذا الإطار، يمثل الرصد الذي تضطلع به جمعية العلم نور للثقافة والتنمية الاجتماعية – فاس مكناس خطوة يمكن تطويرها نحو قاعدة بيانات جهوية تتيح قراءة أكثر دقة لمشاركة النساء، وتساعد على المقارنة بين الدوائر والأحزاب والنتائج، ورصد العلاقة بين الموقع الانتخابي والحضور الإعلامي وفرص الوصول إلى المؤسسات. غير أن قوة هذا العمل تظل مرتبطة باستكمال المعطيات والتحقق من مصادرها، والتمييز بين المؤشرات المؤكدة والنتائج التي لا تزال تحتاج إلى مزيد من الدراسة.
إن الاستحقاقات الجماعية والمهنية والجهوية والإقليمية المرتقبة في شتنبر 2027 تضع الجميع أمام فرصة لا ينبغي إهدارها. فالاستعداد للمواعيد الانتخابية لا يبدأ بإعلان الترشيحات، بل ببناء الكفاءات، وفتح مسارات التأطير، وتطوير القدرات الرقمية والإعلامية، وتوسيع المشاركة داخل الأحزاب والجمعيات، وتهيئة الظروف التي تسمح للنساء بخوض المنافسة بثقة واستقلالية.
وإذا كانت الأحزاب مطالبة بتجديد طرق اختيار مرشحاتها، فإن المجتمع المدني مدعو إلى تجاوز التوعية العامة نحو التكوين والتتبع والترافع المبني على الأدلة. كما أن المؤسسات الإعلامية مطالبة بإدماج المساواة في ممارساتها المهنية، بينما ينبغي للنساء الراغبات في تحمل المسؤولية أن تتاح لهن فرص اكتساب المهارات والخبرات التي تساعدهن على بناء مشاريع سياسية تستجيب لانتظارات المواطنين.
ولعل أهم تحول مطلوب اليوم هو الانتقال من سؤال: كيف نزيد عدد النساء في المؤسسات؟ إلى سؤال أكثر عمقا؛ كيف نبني مؤسسات تتيح للنساء والرجال فرصا عادلة في الوصول إلى القرار وممارسته ومراقبته؟
إن هذا التحول لا يتحقق بالشعارات وحدها، ولا بقراءة متفائلة للأرقام، بل بإرادة سياسية تقبل مراجعة الممارسات، وبثقافة ديمقراطية تجعل الاستحقاق والمساواة معيارين متلازمين، وبمجتمع مدني قادر على الرصد والنقد واقتراح البدائل.
لقد قطعت المرأة المغربية أشواطا مهمة في طريق المشاركة السياسية، لكن الاعتراف بما تحقق لا ينبغي أن يمنعنا من رؤية ما بقي معلقا. فالمرحلة المقبلة تحتاج إلى شجاعة في التشخيص، ووضوح في الالتزامات، وانتقال من التدبير الموسمي للمشاركة النسائية إلى سياسة مستدامة لتقوية حضور النساء في الحياة العامة.
إن الاختبار الحقيقي للديمقراطية المغربية لن يكون في عدد النساء اللواتي يعبرن أبواب المؤسسات، بل في مدى قدرتها على فتح أبواب القرار أمامهن على قدم المساواة، وفي استعدادها للاعتراف بكفاءاتهن ومنحهن الفرصة لتحمل المسؤولية كاملة.

قلم الناس

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *