Find Articles

قلم الناس

بقلم: محمد الطبيب
عضو #جمعية #الدفاع عن #حقوق #الإنسان

في كل مرحلة سياسية تعقب الانتخابات، تفرض الأرقام نفسها على النقاش العمومي، وتبدأ الحسابات حول الأغلبية والمعارضة، وحول عدد المقاعد التي يمكن أن تؤسس لتحالف حكومي قادر على تنفيذ برنامجه. غير أن الديمقراطية لا تختزل في الحساب العددي للمقاعد، كما أن قوة المؤسسات لا تقاس فقط بحجم الأغلبية، وإنما بمدى احترام الإرادة الشعبية، وفعالية الرقابة، واستقلالية المؤسسات، وقدرة مختلف الفاعلين على تدبير الاختلاف في إطار الدستور والقانون.
وفي هذا السياق، تطرح المعادلة المتداولة المتمثلة في 236 نائبا للأغلبية مقابل 134 نائبا للمعارضة أسئلة تتجاوز الحسابات السياسية المباشرة. فالأمر يتعلق بطبيعة المرحلة المقبلة، وبمدى قدرة الأغلبية على تحويل تفوقها العددي إلى انسجام حكومي وبرنامج واضح، وبقدرة المعارضة في المقابل على تحويل حضورها البرلماني إلى ممارسة رقابية مسؤولة وفعالة.
إن التجربة المغربية خلال الحكومات السابقة تؤكد أن تشكيل الأغلبية لا ينتهي بمجرد جمع عدد كاف من المقاعد. فقد عرف المغرب حكومات ائتلافية متعددة المكونات، شهد بعضها انسجاما نسبيا؛ بينما عرف بعضها الآخر اختلافات داخلية أثرت في مسار العمل الحكومي. وهذا يؤكد أن الأغلبية العددية، مهما كان حجمها، تحتاج إلى أرضية سياسية مشتركة، وبرنامج واضح، وقواعد متفق عليها لتدبير الاختلاف.
ومن هذه الزاوية، فإن الرزانة والتعقل ينبغي أن يكونا عنوان المرحلة المقبلة. فالمشاورات السياسية حول تشكيل الحكومة ليست مجرد مفاوضات لتوزيع الحقائب والمواقع، وإنما هي لحظة لتحديد الأولويات الوطنية، وبناء التزامات واضحة أمام المواطنين، وتأسيس علاقة متوازنة بين مكونات الأغلبية.
كما أن احترام إرادة الناخبين لا ينبغي أن يقتصر على الاعتراف بالنتائج الانتخابية، بل يجب أن يمتد إلى احترام الرسائل التي حملتها صناديق الاقتراع، وترجمتها إلى سياسات عمومية تستجيب لانتظارات المواطنين، وتخضع في الوقت نفسه للمراقبة والتقييم والمساءلة.
ومن المنظور الحقوقي، فإن المعارضة ليست مجرد طرف يوجد خارج الحكومة، وإنما هي مكون أساسي من مكونات الحياة الديمقراطية. وجود معارضة قوية ومسؤولة يشكل إحدى ضمانات التوازن المؤسساتي، لأنها تراقب العمل الحكومي، وتطرح الأسئلة، وتقترح البدائل، وتدافع عن المصلحة العامة وحقوق المواطنين.
وفي المقابل، فإن الأغلبية مطالبة بأن تدرك أن امتلاك العدد لا يعني امتلاك كل شيء. فالحكم مسؤولية، والمسؤولية تقتضي الإنصات، والحوار، والشفافية، وقبول النقد، واحترام المؤسسات، والاحتكام إلى القانون.
والمرحلة المقبلة تفرض أكثر من أي وقت مضى الانتقال من ديمقراطية انتخابية تركز على لحظة الاقتراع إلى ديمقراطية تشاركية تجعل المواطن والمجتمع المدني والنقابات والهيئات المهنية والخبراء شركاء في النقاش العمومي وصناعة السياسات وتقييمها. فالمواطن لا ينبغي أن يكون حاضرا فقط يوم التصويت، وإنما يجب أن يكون حاضرا أيضا في مراقبة السياسات العمومية ومساءلة المؤسسات والمساهمة في اقتراح الحلول.
والمغرب اليوم مقبل على مرحلة تحمل ملفات استراتيجية كبرى، داخليا وخارجيا. فالأمن المائي أصبح قضية وطنية مرتبطة بمستقبل التنمية والاستقرار الاجتماعي، والأمن السيبراني أصبح جزءا من الأمن الوطني في ظل التحول الرقمي وتزايد المخاطر الإلكترونية، كما تظل قضية الوحدة الترابية في صلب الأولويات الوطنية والدبلوماسية للمملكة، إلى جانب تحديات الأمن الطاقي، والتنمية الاقتصادية، وتقليص الفوارق الاجتماعية والمجالية، وتعزيز الثقة في المؤسسات.
هذه الملفات لا يمكن تدبيرها بمنطق الحسابات الظرفية وحدها، بل تحتاج إلى مؤسسات قوية، وإلى نقاش سياسي مسؤول، وإلى قدر من التوافق الوطني حول القضايا الاستراتيجية، دون أن يعني ذلك إلغاء الاختلاف أو إضعاف المعارضة. فالاختلاف الديمقراطي ليس مشكلة في حد ذاته، وإنما المشكلة تبدأ عندما يتحول الاختلاف إلى تعطيل أو صراع خارج قواعد المؤسسات.
لذلك فإن معادلة 134 نائبا مقابل 236 نائبا لا ينبغي أن تقرأ فقط باعتبارها معادلة عددية بين أغلبية ومعارضة، بل باعتبارها اختبارا جديدا لنضج الممارسة الديمقراطية بالمغرب.
فهل تستطيع الأغلبية أن تحول قوتها العددية إلى استقرار حكومي وبرنامج قابل للتنفيذ والمحاسبة؟ وهل تستطيع المعارضة أن تحول حضورها البرلماني إلى رقابة فعالة ومسؤولة، بعيدا عن منطق المعارضة من أجل المعارضة؟
في نهاية المطاف، ليست القضية في من يملك العدد فقط، وإنما في من يستطيع تحويل هذا العدد إلى عمل مؤسساتي يخدم المواطن ويحمي الحقوق ويعزز الثقة في الديمقراطية.
134 أم 236؟
ربما يكون السؤال الأعمق هو: كيف نحول هذه الأرقام إلى مرحلة سياسية أكثر نضجا، تقوم على الرزانة والتعقل، واحترام إرادة الناخبين، وترسيخ الديمقراطية التشاركية، وتقوية المؤسسات، والاستعداد الجماعي لمواجهة الملفات الاستراتيجية الكبرى التي تنتظر المغرب؟
ذلك هو الاختبار الحقيقي للمرحلة المقبلة.
#خدو #المناصب
#لكن #خلولي #الوطن

قلم الناس

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *