حَــــــــكامَة الإدارة

بقلم : محمد العطلاتي

لقد ظل لفظ مثل ” المردودية” مصطلحا ذائع الصيت و مترددا على ألسنة كثير من المنظرين الإفتراضيين باعتباره مقياسا للنجاح الفعلي في مدى تحقيق الغايات المرجوة من عدمها، فحسب هؤلاء، كلما كانت المردودية، أو العطاء، أعلى من ذي قبل، كان ذلك سببا في الإقتناع بجدوى العمل المنجز و نجاحه، و كلما تناقص حجم هذه المردودية، كما أو نوعا، اعتبر ذلك دليلا على الفشل.

بالرغم من كون ” المردودية” اصطلاحا ارتبط على الدوام، خلال عمليات التقييم، بالمردود المادي المحسوس، باعتباره معيارا ناجعا، لا سيما بالنسبة للمؤسسات ذات الطبيعة الاقتصادية، لكن يبدو أن الأوان قد حان، و ربما قد يكون متأخِّرا أكثر من اللازم، للشروع في استخدام هذا المعيار الفعّال، من أجل الكشف عن طبيعة عمل بعض المؤسسات ذات المنحى الإداري أو شبه الإداري، أي، بلغة أوضح، تلك المجموعة الضخمة من الهيئات التي يصنفها التشريع المحلي في دائرة “المؤسسات العامة” وذلك للإطلاع عليها، و فقط من أجل الاطلاع، بواسطة التحليل الموضوعي المحايد، و كشف مدى جدواها و ما إذا كانت تُقدم للدولة، و معها المجتمع، خدمةً من طبيعة ما، أم أنها مجرد ” كائنات شبحية”.

المفترض، على الأقل من الناحية النظرية، أن الدولة لا تتجه للإستثمار في إنشاء “مؤسسة” ما من المؤسسات إلا بناء على أساس نظري و تصور شامل بخصوص موضوع المأسسة، و حين تقتنع بذلك، فهي تنتظر من وراء التأسيس بلوغ نتائج معينة، أكانت تلك النتائج سياسية أم اقتصادية أم تنظيمية و إجرائية، بمعنى أنها تتوخى، في كل الأحوال، تدبير قطاع من القطاعات أو تجاوز معضلة من المعضلات، أي الترقي في خدمة المرتفق/ المواطن.

إن أزمة التدبير الإداري في المغرب، وانعكاساته السلبية على الإقتصاد الوطني، تتجلى بشكل واضح في أزمة حقيقية تعيشها الموارد البشرية للإدارة المغربية، تلك الموارد التي يمكن التعويل عليها لأداء وظائفها، ولعل نتائج الخصاص، أكان فعليا أم مصطنعا، بينت كيف أن مناصب الإدارة أصبحت هدفا منشودا و مُراما مقصودا، لكن دون امتلاك المؤهلات المعرفية و  الذكاء الإبداعي، وهكذا أصبح وضع المؤسسات يعاني من حالة كساد كبير تقترب من درجة الإفلاس الشامل، بل و غارقا في شكليات بئيسة، لا تجلب نفعا و لا تمنع ضررا، بل إن عمل هذه المؤسسات أضحى مفلسا بكل معايير العمل المعاصرة، وهذا يبدو من خلال فداحة حجم الإنفاق العمومي عليها، و في مقابل الإنفاق العشوائي، لا يجني الصالح العام أو الدولة من ورائه أية فائدة تذكر.

وظائف “الإدارة  الناجحة”، بحسب التعريف الذي قدمه الخبير في هذا العلم هنري فايول، تستند في المقام الأول على مرتكزات خمس، التخطيط، التنظيم، التوظيف الإداري، التوجيه و الرقابة. و المقصود بالرقابة في هذا المقام مفهومها الشامل الذي لا تنحصر معه في مجرد “رقابة شكلية أو مسطرية”، بل تتعداها لما هو أكبر من ذلك، أي الخوض في عملية تقييم متكاملة يكون الهدف منها هو دراسة جدوى حقيقية، يتبين من خلالها ما إذا كانت “المؤسسة ” المهنية تقدم للدولة و المجتمع خدمة حقيقية أم أنها مجرد ثقب تنزف منه الخزينة العامة للدولة.

تقع مسؤولية إدارة المؤسسة، بحسب التقاليد الإدارية المتعارف عليها، على موظف يحمل اسم ” المدير”، ويشترط فيه، حسب ذات التقاليد، أن يكون قادرا على تنسيق الجهود بين مختلف الأنشطة و المستويات الإدارية و الوظيفية في المؤسسة، وذلك من خلال هيكل تنظيمي يعتبر ممرا مرنا لاختبار قدرة المدير على اختيار وتعيين الشخص المناسب في المكان المناسب.

الثابت، من الدراسات الميدانية المُجراة في الموضوع أن وظيفة ” المدير” لا يُنظر إليها كأداة لتفعيل العمل الإداري و إغنائه بالمبادرات العملية التي تمنح وجودا ماديا للاختصاصات المسندة للمؤسسة، بمقتضى التشريع الساري، بل يُنظر إليها، في غالب الأحوال و معظمها، كأداة تحقق “الإغتناء المشبوه” عبر اتباع سياسة إنفاق المال العمومي في نفقات المجانية لا تعود بأي طائل على بنية الإدارة و تماسكها أو تطوير أدائها بشكل من الأشكال ، بل و اعتبار ذلك دليلا على الحكامة الجيدة، إنها “حكامة المغرب !”