Find Articles

قلم الناس
بقلم: ذ. سعيد أمغار

_أسباب النزول:_

ليلة أمس وأنا جالس في مقهى شعبي، تناهى إلى سمعي حديث فلاحين يظهر من هندامهم أنهم محترفون في المجال، حول صعوبة إيجاد يد عاملة مؤهلة لجني الزيتون، حتى مع بلوغ مقابل العمل ما يربو على مائتين وخمسين درهما لليوم الواحد.

وحسب تصريحات متطابقة لعدد من الفلاحين في المنطقة، فإن هذه المعضلة باتت تتكرر للموسم الثالث على التوالي. هذه الجملة الأخيرة دفعتني إلى البحث في الموضوع، والسعي وراء احصائيات ذات صلة بالموضوع، منتهيا إلى تدبيج السطور الموالية.

أثار النقاش الدائر حاليا في أوساط الفلاحين، وفي عديد المناطق الفلاحية بالمغرب حول بلوغ أجرة العامل الموسمي لجني (الإسقاط والالتقاط) الزيتون 250 درهم لليوم مع استمرار الخصاص، أكثر من مجرد ملاحظة ظرفية مرتبطة بموسم فلاحي. مما يطرح إشكالية ذات أبعاد بنيوية عميقة، ناهيك عن تعدد تداعياتها، وكلها تصب في مدى جاذبية القطاع الفلاحي، مع ما يتطلبه من دربة واحترافية ومجهود بدني معتبر، مع استحضار التحولات السوسيواقتصادية والقانونية التي يعرفها المغرب في السنوات الأخيرة.

تتمحور الإشكالية الرئيسية لهذا المقال في التساؤل التالي: هل نحن إزاء أزمة عرض وطلب مؤقتة في سوق الشغل الموسمي، أم نحن أمام أزمة بنيوية مرتبطة بغياب تأطير قانوني وحماية اجتماعية، تجعل الهشاشة سمة طاغية على المجال المعني، مما يفضي في المحصلة الى طغيان الهشاشة في قطاع كان يشغل نسبة لا يستهان بها من اليد العاملة غير المؤهلة.

_أولا: هشاشة العلاقة الشغلية في العمل الفلاحي الموسمي_

يقوم تشغيل اليد العاملة الموسمية في الفلاحة، وخاصة في عملية “النفاطة” وجني الزيتون، على اتفاق شفوي يومي غير مكتوب. هذا النمط من التشغيل، وإن كان يكرسه العرف، إلا أنه يتعارض مع مقتضيات مدونة الشغل التي تفترض وجود حد أدنى من الضمانات.

فالعامل الموسمي لا يستفيد في الغالب من الضمان الاجتماعي ولا من التأمين عن حوادث الشغل، رغم خطورة العمل في الأشجار. هذه الهشاشة القانونية تجعل الشاب اليوم يفضل العمل في قطاعات أخرى كالبناء أو الخدمات أو حتى البطالة المقنعة في المدينة، كافتراش الملك العام مع ما يرافقه من احتكاكات مع السلطة المكلفة بتحرير الملك العام، على عمل بأجر يومي مرتفع لكنه بدون أي حماية واستقرار.

_ثانيا: غياب سوق منظم للوساطة في الشغل الفلاحي_

على عكس بعض التجارب المقارنة كإسبانيا وفرنسا، لا يتوفر المغرب على آلية قانونية منظمة لتدبير العرض والطلب في الشغل الفلاحي الموسمي. فالوكالة الوطنية لإنعاش التشغيل والكفاءات ANAPEC لا تلعب دورها المفترض في هذا القطاع الحيوي.

ونتيجة لذلك، أصبحت الوساطة تتم بشكل عشوائي عبر وسطاء غير مهيكلين، مما يرفع التكلفة على الفلاح الصغير (250 درهم) دون أن يستفيد العامل نفسه من كامل المبلغ، ويخلق سوقا سوداء للعمل الموسمي. وقد عاينا استمرار تواجد أماكن خاصة يتجمع فيها العمال في الصباح الباكر، في انتظار عمل عبر وسطاء عشوائيين كما سبق وأوضحنا.

_ثالثا: التحول السوسيولوجي للأسرة الفلاحية_

لم تعد بنية الأسرة الفلاحية كما كانت، فانحصار الأسر الممتدة لصالح الأسر النووية، بحيث إذا كان الأبناء في السابق هم الركيزة الأساسية للعمل في الضيعة العائلية، فإن تعميم التمدرس وارتفاع سقف طموح الشباب القروي أدى إلى هجرة داخلية نحو المدن والمراكز الحضرية، فلم يعد ابن الفلاح يرى نفسه عاملا موسميا في ضيعة والده، بل يبحث عن مسار مهني يرضي أحلامه، مما عمق الفجوة بين حاجيات الضيعات وواقع اليد العاملة.

إن بلوغ أجر عمال الزيتون قيمة 250 درهم ليست مؤشرا على تحسن وضعية العامل الفلاحي كما قد يفسر بشكل تبسيطي مخل للوهلة الأولى، بل هي في امتدادها مؤشر على أزمة جاذبية القطاع في شموليته.

معالجة هذه الأزمة لا يمكن أن تخضع لمنطق السوق الحر وحده، بل تستدعي تدخلا تشريعيا وتنظيميا يتأسس على محاور ثلاث: أولا، تفعيل آليات التصريح بالعمال الموسميين وتعميم التغطية الصحية والحماية الاجتماعية، ثانيا، خلق منصات جهوية منظمة للوساطة في الشغل الفلاحي الموسمي تحت إشراف وزارة الفلاحة ووزارة الإدماج الاقتصادي، وثالثا، التفكير في تحفيزات ضريبية للفلاحين الذين يحترمون معايير التشغيل اللائق، ويوفرون للعمال ظروف اشتغال تستجيب للحد المتوسط من المعايير المعتمدة في المجال.

الزيتون ليس مجرد شجرة مباركة تنوعت فوائدها، بل هو مرآة تعكس التحولات العميقة التي عرفها ويعرفها المجتمع القروي المغربي، والتعامل مع أزمته بمنطق قانوني يتغيى حماية العامل ومساعدة صاحب الأرض هو المدخل الحقيقي لضمان استدامته وتثمينه في أفق جعله رافعة حقيقية للتنمية الاجتماعية.

والحكومة ملزمة باجتراح حلول وصياغة أفكار مبدعة من أجل إعادة تنظيم القطاع الفلاحي في شموليته، باعتباره مجالا شاسعا لخلق فرص الشغل وامتصاص نسب البطالة المستفحلة.

قلم الناس

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *