Find Articles

قلم الناس
أدّت المرأة طوال التاريخ السياسي والإجتماعي للمغرب دورا محوريا في بناء الدولة المغربية الحديثة إلا أن ذلك الدور لم يسعفها في إحتلال مكانة خاصة داخل المؤسسات الدستورية إذ إنتظرت المرأة المغربية أكثر من 50 سنة قبل أن يقر المشرّع المغربي مبدأ المناصفة في دستور عام 2011 إلى جانب حقوق أخرى وهو ما جاء في الفصل 19 والفصل 31 وبخاصة القوانين التنظيمية التي تتعلق
بالإنتخابات التي أسهمت في الرفع من نسبة وجود المرأة المغربية داخل البرلمان وداخل الجماعات الترابية، غير أن ذلك لم يمنع من حرمان المرأة الوجود داخل بعض المؤسسات الدستورية وبخاصة على مستوى الحكومة فالحرمان يرتبط كذلك بالمحيط البيئي الذي تعيش فيه المرأة المغربية إذ أن هذا المحيط لا يزال يمثل العائق الأكبر الذي لا يدعم المرأة قصد الوصول إلى مركز القرار السياسي كما لا تقوم الأحزاب السياسية بدعم النساء للوصول إلى تلك المراكز من جراء إستمرارية الهيمنة الذكورية عليها.
ترتبط أسباب ضعف وجود المرأة داخل الحكومات المغربية بما هو دستوري وقانوني وبما هو سياسي وحزبي فعلى المستوى الدستوري والقانوني لا ينص القانون التنظيمي رقم 065.13 المتعلق بتنظيم وتسيير أشغال الحكومة على مبدأ المناصفة من حيث تقلُّد المسؤولية داخل الحكومة على الرغم من كون دستور 2011 نص في الفصل 19 على مبدأ المناصفة هذا، وعلى المستوى السياسي ما زالت الأحزاب السياسية المغربية خاضعة للهيمنة الذكورية وهي الهيمنة التي تتجلى في كون قيادتها لم تزل بيد الذكور وهذا ما يشير إلى أن الأسباب السياسية والحزبية لها دور في ذلك الإقصاء، فالقانون التنظيمي المتعلق بالأحزاب السياسية رقم 29.11 على الرغم من تشديده على تخصيص نسبة الثلث داخل أجهزة الحزب للنساء على المستويين الوطني والجهوي قصد تحقيق مبدأ المناصفة بين الرجال والنساء فإن ذلك لم يتم الأخذ فيه من طرف الأحزاب السياسية وهو ما يجعل نسبة النساء داخل الحكومة ضعيفا مقارنة بنسبة الرجال، وعلى الرغم من التطورات التي عرفها وضع المرأة المغربية على مستوى دستور 2011 والقوانين الإنتخابية التي كان لها دور إيجابي في تمكين المرأة سياسيا (تعيين الملك للمرأة رئيسة للحكومة) ورفع عدد المقاعد المخصصة لها داخل مجلس النواب فإن وضعها لا يزال غائبا داخل عدة مؤسسات دستورية حيوية.
تعود التيارات المحافِظة لتتحصن من جديد بلغة الهوية والخصوصية منطلقة من أهمية الشريعة الإسلامية في ترتيب مختلف الظواهر المرتبطة بموضوع الأسرة وتقنينها مغفلة أهم التحولات الحاصلة في مجتمعنا في موضوع علاقة المرأة بالرجل داخل بنية المجتمع المغربي، فبعض تنظيمات الإسلام السياسي لا تفتأ تعلن أنها تحولت إلى مؤسسات سياسية مدنية بمرجعية لاهوتية إلا أنها لا تنتبه إلى عدم قدرتها على التخلص من هيمنة التقليد على طرقها في النظر إلى أسئلة السياسة والتاريخ ولم تتخلص أيضا من الطابع الإطلاقي والقطعي في نظرتها إلى أسئلة المجتمع والتاريخ، فعندما يتم التطرق للتغيير الشامل والجذري للقوانين التمييزية خاصة تلك المرتبطة بمدونة الأسرة تكثر حملات العنف الرقمي والحملات التي تحاول أن تبين بأن كل مناداة وكل ترافع وكل المحاولات الرامية للنهوض بالتنمية المستدامة من خلال مراجعة شاملة لكل القوانين وعلى رأسها مدونة الأسرة والقانون الجنائي المغربي تعتبر ضربا للهوية المغربية، في حين أن الحركات النسائية ترى أن الحاجة اليوم ملحة لنقاش حقيقي حول المناصفة بإعتبارها مدخل أساسي لمشاركة فعالة وفعلية للنساء في السياسات العمومية من أجل أن تصبح السياسات أداة لتقليص الفوارق والفجوات والقضاء على الفقر فالمناصفة هي مطلب أساسي لتحقيق التنمية المستدامة ولن تتحقق إلا إذا توفرت هناك إرادة سياسية حقيقية.
وجب التأكيد على أن قضية المناصفة موضوع سجالي جدالي تراكمي يتجدد فيه الحديث بإستمرار ويستحوذ على إهتمام الناشطين السياسيين والحقوقيين وغيرهم في كل مناسبة لأنه موضوع معقد وحساس ومثير للنقاش العمومي والصراع السياسي والإجتماعي بحيث يتداخل فيه ما هو قانوني بما هو إجتماعي وثقافي ونفسي وسياسي وديني، وما زال هم المنظمات النسائية والحقوقية تفعيل كل الإتفاقيات الدولية التي إلتزم بها المغرب وكل النصوص التي جاء بها الدستور لأجل العمل على تحقيق مبدأ المناصفة والذي يؤكد على المساواة بين كل المواطنات والمواطنين في الحقوق المدنية والسياسية والإقتصادية والإجتماعية والثقافية، ولقد دافع المؤرخ والروائي والمفكر المغربي “عبد الله العرويAbdallah Laroui ” في سياق تشخيصه عوائق التحديث في المغرب وفي العالم العربي عن ضرورة المساواة بين المرأة والرجل في الإرث بحكم أن مقتضيات التحول في مجتمعنا تستدعي ذلك حيث يمكن أن تقوم مؤسسات الدولة التي تمارس التشريع بذلك من أجل مزيد من تحديث المجتمع، فالمناصفة ليست شعارا للحركة النسائية بل هي مطلب أساسي لابد من توفره لتحقيق التنمية المستدامة التي تتطلب إشراك النساء والرجال بجميع فئاتهم الاجتماعية والعمرية والترابية في كل القضايا المرتبطة بالتنمية المستدامة وبعيداً عن الشعارات الجوفاء التي تتخذ من قضية النساء وتحررهن مجرد قضية لخدمة أجندات سياسية أثناء الإنتخابات.
عبد الإله شفيشو/فاس

قلم الناس

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *