Find Articles

قلم الناس

 

• بقلم ذ.هيثم دكداك | فاعل سياسي ونقابي

 

لم تعد الانتخابات التشريعية، في زمن التحول الرقمي، مجرد سباق تقليدي تُرفع فيه الشعارات داخل الساحات العمومية، أو تُوزَّع فيه المناشير الورقية في الأزقة والشوارع، بل تحولت إلى معركة تواصلية رقمية تُدار داخل الهواتف الذكية، وتُحسم في كثير من الأحيان عبر قوة التأثير، وسرعة الوصول، وذكاء توظيف المعطيات الرقمية.

 

ومع اقتراب الاستحقاقات التشريعية لسنة 2026، يبدو أن المشهد السياسي المغربي مقبل على مرحلة جديدة، تتجاوز الأساليب الكلاسيكية في تدبير الحملات الانتخابية، نحو نمط حديث يقوم على استثمار التكنولوجيا، وتحليل البيانات، واستعمال منصات التواصل الاجتماعي باعتبارها فضاءً رئيسياً لصناعة الرأي العام وتوجيه النقاش السياسي.

 

لقد فرض التحول الرقمي نفسه باعتباره أحد أبرز محددات الفعل السياسي المعاصر، حيث أصبحت الأحزاب السياسية مطالبة أكثر من أي وقت مضى بفهم المزاج الرقمي للمواطنين، والتفاعل مع انتظاراتهم بلغة العصر، لا بلغة الخطب الجامدة التي فقدت قدرتها على التأثير في جيل جديد وُلد داخل العالم الافتراضي، وأصبح يستهلك المعلومة بسرعة، ويُصدر أحكامه السياسية من خلال ما يشاهده يومياً على الشاشات الصغيرة.

 

إن الاعتماد على “الداتا” وتحليل المعطيات الرقمية بات يشكل أداة مركزية في الحملات الانتخابية الحديثة. فالأحزاب لم تعد تخاطب الجماهير بشكل عشوائي، بل أصبحت تستهدف فئات محددة وفق اهتماماتها وأعمارها ومواقعها الجغرافية وسلوكها الرقمي. وهنا تظهر قوة الإعلانات الممولة، والخوارزميات، وتقنيات التسويق السياسي الرقمي، التي تسمح بصناعة محتوى انتخابي قادر على الوصول إلى المواطن في اللحظة المناسبة وبالخطاب المناسب.

 

وفي هذا السياق، تحولت منصات مثل فيسبوك وإنستغرام وتيك توك ويوتيوب إلى ساحات سياسية موازية، بل ربما أكثر تأثيراً من التجمعات التقليدية. فالصورة القصيرة، والمقطع السريع، والبث المباشر، أصبحت أدوات لصناعة القرب السياسي وإقناع الناخبين، خصوصاً في صفوف الشباب الذين يشكلون الكتلة الأكثر حضوراً داخل الفضاء الرقمي.

 

غير أن هذا التحول، رغم ما يحمله من إيجابيات، يطرح في المقابل جملة من الإكراهات والتحديات. فالعالم الرقمي، كما يمنح فرصاً للتواصل والانفتاح، يفتح أيضاً الباب أمام التضليل الإعلامي، وانتشار الأخبار الزائفة، وصناعة “البروباغندا” السياسية التي قد تؤثر على وعي الناخب وتُشوّه النقاش الديمقراطي. كما أن غياب الثقافة الرقمية لدى جزء من المواطنين يجعلهم عرضة للتلاعب والتوجيه غير الواعي.

 

إضافة إلى ذلك، فإن هيمنة المال على الإعلانات الرقمية قد تُنتج نوعاً من “اللا تكافؤ” بين الأحزاب، حيث تصبح القدرة على الوصول إلى المواطن مرتبطة بالإمكانات المالية أكثر من ارتباطها بقوة البرامج والأفكار. وهذا ما يفرض ضرورة التفكير في تأطير قانوني وأخلاقي واضح للحملات الانتخابية الرقمية، يضمن النزاهة والشفافية ويحمي الاختيار الديمقراطي من التوجيه الخفي.

 

ومن جهة أخرى، يظل الشباب العنصر الأكثر أهمية في معادلة التحول الرقمي والانتخابات المقبلة. فالشباب اليوم ليس مجرد متلقٍّ للرسائل السياسية، بل أصبح فاعلاً في صناعتها وتوجيهها والتأثير فيها. إنهم الجيل الذي يصنع “الترند”، ويقود النقاشات العامة، ويملك القدرة على تحويل فكرة بسيطة إلى قضية رأي عام خلال ساعات قليلة.

 

لذلك، فإن الرهان الحقيقي للأحزاب السياسية في انتخابات 2026 لن يكون فقط في تقديم الوعود، بل في قدرتها على استيعاب التحولات المجتمعية والرقمية، وإشراك الشباب في صناعة القرار السياسي، وخلق خطاب جديد أكثر قرباً وواقعية وصدقاً.

 

إن المستقبل السياسي لم يعد يُكتب فقط داخل المقرات الحزبية، بل يُصاغ أيضاً داخل المنصات الرقمية، حيث تتحول الكلمة إلى تأثير، والصورة إلى موقف، والتفاعل إلى قوة انتخابية قادرة على إعادة تشكيل الخريطة السياسية.

 

وفي ظل هذا التحول المتسارع، تبدو الحاجة ملحّة إلى بناء وعي رقمي جماعي يجعل من التكنولوجيا وسيلة لتعزيز الديمقراطية، لا أداة لتزييفها، ومن التواصل الرقمي جسراً للتقارب بين المواطن والسياسة، لا مجرد فضاء للصخب والاستهلاك العابر.

 

فالانتخابات القادمة لن تكون فقط اختباراً للأحزاب، بل اختباراً أيضاً لقدرة المجتمع على مواكبة عصر سياسي جديد… عصر تُدار فيه السياسة بلغة البيانات، وتُقاس فيه قوة الخطاب بعدد التأثيرات التي يتركها داخل العالم الرقمي.

قلم الناس

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *