Find Articles

قلم الناس

الْمُثَقَّــــف الْمَغْرِبِـــــيّ وأَزْمَـــــــة الْاِغْتِـــــــرَاب

يقول “أنطونيو غرامشيAntonio Gramsci”: (المثقف الذي لا يتحسس آلام شعبه لا يستحق لقب المثقف).

يقول “عبد الرحمان منيف” في كتابه “بين الثقافة والسياسة”:( صورة المثقف اليوم مرتبكة، لأن صورة المهمة ذاتها التي يتصدى لها مرتبكة، أي غير محددة، وبالتالي غير واضحة، وهذا ما يثير الشكوك لديه ولدى الآخرين، وبالتالي يخلق الإلتباس حول دوره، وحول المهمات التي يمكن أن يقوم بها).

مفهوم الإغتراب: المثقف المغترب هو ذلك الشخص الذي يكون لديه شعور دائم نسبيا بالغربة عن المؤسسات و عن القيم السائدة فالإحساس بالغربة لا يكون بالضرورة علامة مرضية، فخيال المغترب قد يستمد قوة كبرى من الإحساس بالغربة وهو يعني كذلك نوعا من التحرر و قد يضيف نوعا من التجديد والحيوية على نظرية الحياة ويثير خياله ويحرك روحه الخلاقة، فالمثقف على هذا النحو يعني وجود مستوى راقي من الوعي، النقاء، المثالية والأمانة فهو يبرر وضعه على أنه رافض لمجتمعه وناقد بسبب وجود ما هو جدير بالنقد فحيثما يكثر الحديث عن إغتراب المثقف فإنه لا ينظر أو يفكر في إغترابه الذاتي و لكن ينظر إلى إغترابه عن الآخرين وبصفة خاصة عن المجتمع.

وبالعودة لموضوعنا نتساءل كيف حدث هذا الإغتراب والإحساس بالهزيمة واليأس عند المثقف المغربي؟ ولماذا حدث؟، فقد يعود ذلك لأسباب يطول شرحها وسنقتصر هنا على الموضوع الرئيسي وبإقتضاب شديد فمظاهر إغتراب المثقف المغربي قد تأخذ أشكال مختلفة تكون في بعض الأحيان متداخلة ومن بينها:

أ‌- للمثقف أسلوب حياة ونمط العمل واللغة والقدرات والإهتمامات والميول التي تضعه بمعزل عن الآخرين وتجعله مغتربا عنهم،

ب‌- للمثقف الشك الدائم أو الرفض التام للقيم الثقافية أو فلسفات الحياة السائدة،

ت‌- للمثقف إغتراب عن النسق الإجتماعي والسياسي والإقتصادي السائد، وقد يصير منظرا أو مدافعا عن قضية ولكنه قد يتقهقر إلى شكل من أشكال اللامبالاة السياسية،

ث‌- للمثقف إغتراب عن الثقافة السائدة والتي كانت دائما في حالة تعارض مع الواقع الإجتماعي،

فالعامل الأساسي المسؤول عن الأزمة الحادة للمثقف المغربي تتمثل في إغترابه وهذه حقيقة يجب أن تكون إيجابية حتى لا يصير الإغتراب مبررا لتنصله من مسؤوليته المجتمعية وهنالك أمثلة توضح إلى أبعد حد أزمة المثقف ويكشف عن أعماقها، فالثقافة أخذت تصبح بالنسبة للمثقف سلعة يبيعها وليست تعبيرا عن نفسه عن موفق إنسان يود أن يساهم في تغيير العالم فهو يدخل في معركة خاسرة منذ البداية، إن تصرف المثقف المغربي المغترب على نحو معين إيجابي أو سلبي يرجع إلى وضع التوازن بين درجة قوته الذاتية و قوة الوضع أو الشيء المغترب عنه وعلى ذلك فإن تصرفه ينطلق من خيارات ثلاثة يتمثل (أولها) في الإنسحاب من الواقع الذي يسبب إغترابه وسيتم الإنسحاب بعدم المواجهة أو الهروب واللامبالاة واليأس والإقتصاص من الذات، و(ثانيها) يتمثل في الرضوخ للنظام القائم والتعاون معه قهرا الأمر الذي يفسر نشوء الأقنعة وكثيرا ما يرافق الرضوخ نزعة التعليل والتبرير، و(ثالثها) تتمثل في التمرد الفردي من أجل تغيير الواقع وتجاوز حالة الإغتراب، ومع ذلك فإن الإغتراب الكامل للمثقف المغربي لا يبدو أمرا مرغوبا فيه إلا أن درجة معينة منه تمثل القدر والنصيب الدائم للمثقف.

وعليه، فالمثقف المغربي لا يمكنه أن يغمض العينين على ما يصرخ من حوله وقد يكون هو ما يحسها بطريقة متفردة عندما يختلي بنفسه في لحظات الإسترجاع و الربط بينها فهو من يتلقى الأزمة مجسدة في الكلمات واللغة فيكفي أن يتذكر أن الوطن لم ينتج سوى تغييب الأصوات الصادقة و بؤس العلاقات وإنكسار النفوس ليدرك في الأخير أن هذه الأزمة بالرغم من وعيه بمصادرها قد إستقرت وكأنها قدر لا يقوى أحد على تغييره، هكذا يجد المثقف المغربي نفسه أمام أسئلة يتداخل فيها الآني بالموروث والمظهري بالجوهري والقومي بالإنساني ويظل الرهان لديه هو تحرير الإنسان من كل ما يتهدد وجوده و كيانه وحقه المشروع في التعبير والتغيير، ولذا ليس من الضروري فقط الإكتفاء بتهيئة الجمهور لتقبل الثقافة بل من الضروري أيضا إعادة العلاقة المباشرة بين الجمهور و المثقف المغربي، فذلك المثقف الذي يحترم قلمه هو في طليعة من يعترضون لإنعكاسات الأزمة ماديا ومعنويا فهو لا يحتمل فقط أعباء الكتابة بل غالبا ما يضيف إليها عبئ المحاصرة و أحيانا الإعتقال.

عبد الإله شفيشو/فاس

قلم الناس

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *