قلم الناس
#مجرد راي #
بقلم : إبراهيم السوحي
في الدورة الأخيرة لمجلس جماعة مكناس خلال شهر ماي، عاش الرأي العام المحلي نقاشاً ساخناً حول نقطة تفويت بعض الأملاك الجماعية. رئيس الجماعة عرض مشروعاً واضحاً: بيع أراضٍ مهملة كأرض سيدي سعيد وأرض لاسيندا، وتوجيه عائداتها نحو مشاريع تنموية مهيكلة، منها فندق من فئة أربعة نجوم مكان سوق السمك القديم المهجور، وقاعة مغطاة وملاعب قرب بحي الباستين.
في المقابل، اختار بعض المستشارين لغة المزايدة السياسية، رافعين شعار “مكناس ليست للبيع”، في محاولة لتسويق أنفسهم كـ”حماة المدينة” ضد ما وصفوه بـ”التفريط في ممتلكاتها”.
لكن لنضع النقاط على الحروف، بعيداً عن الشعبوية:
1. أيهما أولى: الخراب الذي يهدد الأرواح أم المشروع الذي ينقذها؟
الأملاك المعنية بالتفويت اليوم ليست معالم تاريخية ولا حدائق عمومية. هي فضاءات تحولت منذ سنوات إلى قنابل موقوتة:
أرض لاسيندا: لا تضم فقط مساحة مهملة أصبحت مأوى للمنحرفين، بل تشمل عمارتين أكدت الدراسات التقنية وجوب هدمهما لخطورتها على السلامة العامة. بقاؤها جريمة في حق المدينة وساكنتها.
أرض سيدي سعيد: تحولت من أرض جماعية إلى مرأب عشوائي للشاحنات الكبرى، ما خلق فوضى مرورية وضجيجاً وتلوثاً، إضافة إلى كونها مطرحاً للنفايات.
سوق السمك القديم: بناية مهجورة وآيلة للسقوط، أصبحت وكراً للكلاب الضالة والمنحرفين.
السؤال الذي يهرب منه أصحاب الشعارات: هل الدفاع عن المدينة يكون بالحفاظ على عمارتين آيلتين للسقوط قد تزهقان أرواحاً، وعلى مرأب عشوائي وسوق مهجور؟ أم بتحويلها إلى فندق يخلق مناصب شغل وقاعة رياضية تحمي أبناءنا؟
التمسك بـ”الملك الجماعي” وهو خطر على حياة المواطنين، ليس دفاعاً عن مكناس، بل استهتار بها.
2. “البيع” ليس هو “التفويت للاستثمار”
هناك خلط متعمد في المصطلحات. ما صوت عليه المجلس ليس “بيعاً بالمزاد العلني” لتمويل النفقات الجارية، بل تفويت مشروط بالاستثمار والهدم وإعادة البناء. الفرق جوهري:
البيع العشوائي: هو ضخ السيولة في ميزانية التسيير لتختفي بعد أشهر.
التفويت الاستثماري: هو إلزام المستثمر بهدم الخطر القائم في لاسيندا على نفقته، وتحويل الخراب إلى أصل منتج. سوق السمك المهجور سيصبح فندقاً يدفع الضرائب ويشغل عشرات الشباب. أرض سيدي سعيد ستتخلص من فوضى الشاحنات.
المعادلة واضحة: نتخلص من خطر داهم ومرأب عشوائي، ونربح مدينة آمنة ونابضة.
3. الشعبوية تعطل التنمية وتهدر الفرص
شعار “مكناس ليست للبيع” شعار رنان، لكنه خطير عندما يُرفع ضد هدم عمارتين آيلتين للسقوط. أصحابه لم يقدموا بديلاً واحداً: من سيتحمل مسؤولية هدم العمارتين؟ من سيمول قاعة الباستين؟ كيف سيُعاد تأهيل سوق مهجور؟
الصمت عن الخطر ليس بطولة. البطولة هي اتخاذ قرار شجاع بهدم ما يهدد حياة الناس وبناء ما يخدمهم. المدن التي تقدمت فعلت ذلك بتحرير عقارها الخطر وضخه في مشاريع منتجة.
4. من يدافع عن مكناس حقاً؟
من يدافع عن مكناس هو من يطبق توصيات الدراسات التقنية ويهدم ما يشكل خطراً، قبل أن تقع الكارثة. هو من يحول سوقاً مهجوراً إلى فندق، ومرأب شاحنات إلى مشروع استثماري. هو من يرفض أن يبقى قلب المدينة ومدخلها محتلين من طرف الفوضى والخطر.
أما من يرفع شعار “ليست للبيع” دفاعاً عن بنايات يجب هدمها، فهو لا يدافع عن المدينة، بل يدافع عن بقاء الخطر. يدافع عن رصيده الانتخابي على حساب سلامة أبناء مكناس.
ختاماً: تصويت المجلس على تفويت هذه الأملاك ليس فقط قراراً تنموياً، بل قرار مسؤول لحماية الأرواح. وهو يحتاج الآن إلى أمرين: الشفافية في دفاتر التحملات التي يجب أن تتضمن إلزامية الهدم وإعادة البناء، والسرعة في الإنجاز حتى يرى المواطن أن الأرض لم تُبع، بل أُنقذت واستُثمرت.
فالمدينة تُبنى بالقرارات الشجاعة، لا بالشعارات التي تترك الخطر قائماً.