كُــرَة القَــدَم تُــوَحِّــد الشُّعُــوب … لَكِــن!

  • بتاريخ : ديسمبر 19, 2025 - 8:36 م
  • الزيارات : 106
  • قلم الناس
    كُــرَة القَــدَم تُــوَحِّــد الشُّعُــوب … لَكِــن!

    “كارل ماركس“ لو أتيحت له حياة أخرى هل كان ليختار أن يغيّر مقولته (الدين أفيون الشعوب) ب(كرة القدم أفيون الشعوب ) كما ينعتها في عصرنا الحاضر بذلك بعض المثقفين والمفكرين وفقهاء الدين؟، فهذه اللعبة حسب نظريتهم أصبحت دينا ينهال منه الجمهور أوهام جنة ليست بجنة ونشوة ظاهرها خير وباطنها شر بحيث تحولت إلى الشغل الشاغل في الشرق والغرب وفي الدول الغنية والفقيرة فهي حديث البيوت والمكاتب والمقاهي والشارع لا تترك أي شخص غير مبال، إنها الساحرة التي تطلق العنان لكل أنواع المشاعر الفرحة والغاضبة وتقرب بين الشعوب أحيانا وتفرق بينها بل وتعاديها أحيانا أخرى، إنها الحرب الناعمة حيث تجاوزت منطق الفرجة والمتعة وتحولت لصناعة وتسويق الرأي العام فهي مصدر للإلهاء والتخدير يساهم لامحالة في ضمان سلم الشارع على حساب هموم ومشاكل الشعوب المختلفة.
    كُــرَة القَــدَم في هذه النظرية (وغيرها كثير) ثمة شيء واحد يمكننا الإتفاق عليه أن لها تأثيرا لكن هل هو إيجابي؟ أم سلبي؟، ستتغير الإجابة إعتمادا على ما يحدث في كل موطن للعبة ويظل القرار بيد حامله فمن أراد لكرة القدم أن تكون أفيونا للشعوب كانت له كذلك ومن أراد بها الحياة منحته ما أراد، فعبر التاريخ تبنت الفكرة على نطاق واسع أنظمة عديدة وحسب غاياتها إلى إستعمال الأنشطة الرياضية لتحقيق غايات سياسية داخلية أو لخدمة أهداف جيوستراتيجية خارجية، فالرياضة بطبيعتها وخصوصا كرة القدم بفعل شعبيتها العالمية تحولت إلى عامل إجتماعي عالمي يلعب بالحدود ولكن أيضا بالإنقسامات السياسية أو العرقية أو الدينية.
    كُــرَة القَــدَم تأثيرها الذي يتجلى في بطولة مثلا في كأس العالم الذي يتابعه نحو ثلث سكان الكوكب تحولت اليوم إلى نمط ثقافي ومسار جديد يحدد مسيرة تطور المجتمعات كما تمثل قفزة في ظهور العولمة مع النظام الرأسمالي الغارق في التوحش والمليء بالفوارق الإجتماعية، هذا يدل عن ما يعيشه الجمهور من مكبوتات نفسية تراكمت عند الشخص المتفرج وأصبح يفرغها في المدرجات والمقاهي كإفراز عن العجز في الممارسة الفعلية تجاه متاعب الإرهاق اليومي والظلم الإجتماعي المتولد عن أوضاع إقتصادية وسياسية صعبة مع تدني منسوب الوعي الطبقي الكفيل بتوجيه الناس إلى بر الأمان.
    كُــرَة القَــدَم باتت دينا يبنى على أساسها الولاء والبراء وتهيج لها المشاعر ويعادى على أساسها أفرادا وأقواما وأحيانا يقتل بسببها أفرادا وتخرب ممتلكات خاصة وعامة وتعطل على إثرها أعمال هي رياضة في الأصل للتسلية وتقوية البدن لكن أصبحت تبذر فيها أموال طائلة كفيلة بتحسين خدمات الصحة والتعليم لكل الناس، فلقد أزاحت القضايا الحقيقية المصيرية وملأت الفراغ الذي تعاني منه خصوصا في الدول العربية، لقد صارت قدرتها خارقة في قلب الحقائق بتشويه الواقع وتبرير الإختيارات الخاطئة لكل دولة فهي مشروع إستراتيجي جديد/قديم للتحكم في الشعوب بهدف تكريس وترويج ثقافة الجهل والهروب إلى الأمام وما الفاجعتين في كل من (فاس) و(آسفي) المدينتين المغربيتين والتي ذهب ضحيتهما 59 مواطن نتيجة الفساد والإهمال سيمر عليهما مرة الكرام رسميا وشعبيا لأن الكل مشغول بكُــرَة القَــدَم.

    عبد الإله شفيشو/فاس