قلم الناس
لايجادل إثنان في الدور الفعال والمحوري الذي تلعبة المرأة في دورة الحياة بمفهومها الشامل ، كقوة دافعة للتغيير والابتكار في مختلف المجالات. من الاسرة إلى المجتمع ومن الفضاء إلى السياسة، ومن العلوم إلى الرياضة والفن، أثبتت العديد من النساء أن الطموح لا حدود له، وأن الإرادة قادرة على كسر الحواجز وإعادة رسم ملامح المستقبل.
بمناسبة شهر رمضان الكريم،تسلط مجلة قلم الناس الضوء على نماذج نسائية ملهمة حققن إنجازات غير مسبوقة ،وساهمن في صناعة المستقبل، وتركوا بصمة في مجالاتهن، ملهمات بذلك الأجيال القادمة. سواء كانت رائدة فضاء تحلق إلى القمر، أو عالمة تحدث ثورة في الطب، أو سياسية تقود وطنها، أو رياضية تكسر الحواجز، أو فنانة توظف شهرتها لخدمة الإنسانية، فإن القاسم المشترك بينهن جميعا هو الإصرار على التغيير والمساهمة في صناعة مستقبل أكثر إشراقا.

تعد فاطمة الفهرية سليلة التابعي الجليل عقبة بن نافع الفهري القرشي، فاتح تونس ومؤسس مدينة القيروان، نزحت مع أهلها من مدينة القيروان عاصمة أفريقية (اسم تونس تاريخيا) إلى مدينة فاس عاصمة الدولة الإدريسية (المملكة المغربية حاليا)، واستقروا بها بعد أن طاب لهم المقام هناك،ولدت حوالي عام 800م وتوفيت 878م. وهي مؤسسة “جامعة القرويين” في مدينة فاس بالمغرب، التي تعد أول مؤسسة جامعية في العالم، وتأسست عام 859م.
المولد والنشأة
تذكر المصادر التاريخية أن فاطمة بنت محمد الفهرية القرشية ولدت حوالي سنة 800م بمدينة القيروان عاصمة تونس آنذاك، حينما كانت تسمى “أفريقية”، والدها هو محمد ابن عبد الله الفهري، وكان تاجرا ثريا، انتقل إلى مدينة فاس بالمغرب الأقصى مع عائلته في عهد السلطان إدريس الثاني، واستقروا هناك.
بعد ذلك تزوجت فاطمة الفهرية من رجل ثري، لكن لم تمض سوى سنوات قليلة حتى توفي الأب والزوج معا، فورثت فاطمة زوجها، وأباها مع أختها الوحيدة مريم، lما جعلها تجمع ثروة كبيرة حينها.
تلقت فاطمة وأختها تربية دينية على يد والدهما، وورثتا عليه الورع والتقوى وزهدتا في الدنيا رغم ثرائهما وغناهما.
كانت فاطمة الفهرية وأختها مريم توزعان من الميراث الذي حصلتا عليه بسخاء على المساكين والمحتاجين وطلاب العلم والمعرفة، حتى لقبت فاطمة الفهرية حينها بأم البنين.
ظلت فاطمة الفهرية وأختها مريم على هذه الحال في الزهد والكرم حتى اهتدتا إلى بناء مسجدين يكونان صدقة جارية لهما، وذلك بعدما وجدتا أن المسجد الذي يصلي فيه الناس ضيق ولا يتسع لكافة المصلين، فتطوعت فاطمة لإعادة بناء المسجد الموجود وضاعفت مساحته بشراء الحقل الذي كان يحيط به، وضمتها إليه في رمضان عام 245هـ، وأسمته جامع القرويين، في حين بنت أختها مريم جامعا آخر أسمته جامع الأندلس في مدينة فاس عاصمة الدولة الإدريسية بالمغرب.
جامع القرويين
تروي كتب التاريخ أن فاطمة الفهرية حينما عقدت العزم على بناء جامع القرويين في رمضان من عام 245هـ (858م)، قررت ألا تأخذ ترابا أو أي مادة تستعمل في بنائه إلا من الأرض التي اشترتها بمالها الخاص من رجل ينتمي لقبيلة هوارة.
إعلان
وطلبت من العمال والبنائين أن يحفروا كهوفا في أعماق الأرض لاستخراج الرمل الأصفر الجيد والأحجار والجص لاستخدامها في عملية البناء. كما طلبت منهم حفر بئر في فناء المسجد ليرتوي منه البناؤون والعمال، ولاستخدامه أيضا في أعمال البناء، كما يقول المؤرخ التونسي حسن حسني عبد الوهاب في كتابه “شهيرات التونسيات”.
ويحكي المؤرخون أن فاطمة الفهرية صامت طوال فترة بناء المسجد التي امتدت لحوالي 18 سنة، أي من سنة 245هـ إلى سنة 263 هـ، وتعود تسمية جامع القرويين بهذا الاسم نسبة إلى مدينة القيروان عاصمة تونس وقتها، الموطن الأصلي لفاطمة الفهرية.
وفي هذا الباب يقول المؤرخ والكاتب المغربي الدكتور عبد الهادي التازي، في رسالته لنيل الدكتوراه، إن “حفر أساس مسجد القرويين والأخذ في أمر بنائه الأول كان بمطالعة العاهل الإدريسي يحيى الأول، وأن أم البنين فاطمة الفهرية هي التي تطوعت ببنائه وظلت صائمة محتسبة إلى أن انتهت أعمال البناء وصلت في المسجد شكرا لله”.
وبفعل إنجازها العظيم، خلدت فاطمة الفهرية اسمها في كتب التاريخ، كأول امرأة بنت مسجدا بِحُرِّ مالها، في وقت كانت فيه الدول هي التي تتكفل ببناء المساجد، وقد قال في حقها العلامة ابن خلدون، أحد خريجي هذا الصرح الجامعي، في كتاب “العبر وديوان المبتدأ والخبر في أيام العرب والعجم والبربر ومن عاصرهم من ذوي السلطان الأكبر” إن فاطمة “كأنما نبهت عزائم الملوك بعدها، وهذا فضل الله يؤتيه لمن يشاء من عباده الصالحين، فسبحانه وتعالى إذا أراد لأمة الرقي والرفعة وأذن لها بالسعادة الغامرة أيقظ من بين أفرادها رجالا ونساء، شبابا وشيوخا، أيقظ فيهم وجدانا شريفا وشعورا عاليا يدفعهم للقيام بصالح الأعمال وأشرفها وما كان من أجل الدنيا والآخرة”.
وعلى مر السنين كان السلاطين والدول التي حكمت المغرب يتنافسون على الاعتناء بجامع القرويين ورصد الأموال لتوسيعه وترميمه، ويذكر الشيخ محمد المنتصر بالله الكتاني في كتابه “فاس عاصمة الأدارسة” أنه “وعلى مر الدهور والأعوام تنافست الملوك والدول في توسيع بنائه ورصد الأموال للقيام به، فزاد فيه أيام الدولة الزناتية أميرُها أحمد بن أبي بكر من خمس الغنائم عام 345هـ، وزاد فيه أيام الدولة المرابطية علي بن يوسف ابن تاشفين، ثم لم يزل يوسع ويجدد، وتزداد أوقافه أيام دولة الموحدين ودولة المرينيين.. إلى أيام دولتنا العلوية الحاضرة”.
وتوفرت بذلك مع مرور الزمن لجامع القرويين، أوقاف كثيرة جعلته يستقل ماليا عن الخزينة العامة للمملكة المغربية، وهو ما حكاه المؤرخ الدكتور عبد الهادي التازي في كتابه “جامع القرويين: المسجد والجامعة بمدينة فاس”.
إذ يقول إن حيازة جامع القرويين للأوقاف جعلته مستقلا ماليا عن خزينة الدولة، بل إن الدولة اقترضت في مراحل تاريخية مختلفة من خزينة جامعة القرويين، التي أفاضت منها على سائر مساجد فاس، وسَرَتْ أوقافها الزائدة حتى المسجد الأقصى بالقدس، وحتى الحرمين الشريفين في مكة المكرمة والمدينة المنورة.
أول جامعة في العالم
بعد الانتهاء من عملية بناء جامع القرويين، بدأ العلماء في تقديم دروس علمية داخل فنائه عبر تكوين حلقات علمية يجتمع فيها طلاب العلم، ومع مرور الوقت ذاع صيت الجامع خارج حدود الدولة الإدريسية، وتحولت بذلك مدينة فاس إلى مركز علمي ينافس أقوى المراكز العلمية في ذلك الوقت كقرطبة وبغداد.















إرسال تعليق