بَيْنَ السِّيَــاسَةِ والرِّيَــاضَة، أَيَّتُهَــا عَلاَقَــة؟ (كُـــرَة القَــدَم في المَغْــرِبُ نموذجا)

  • الكاتب : عبد الإله شفيشو/فاس
  • بتاريخ : نوفمبر 28, 2025 - 3:28 م
  • الزيارات : 163
  • قلم الناس

    من منطلق المقولة التي تحاول أن تفصل العلاقة بين السياسة والرياضة نؤكد أن كرة القدم تحولت أداة سياسية بإمتياز تستغلها الأنظمة والدول لأغراض تتعدى الترفيه والرياضة إلى بناء الهوية وتوجيه الرأي العام وتلميع صورة الدولة، ففي السياق المغربي إستخدمت الدولة كرة القدم وسيلة لإنتاج الإجماع الوطني وتنفيس التوترات إلا أن تحولات ما بعد عام 2011 خصوصا مع تصاعد الحركات الإحتجاجية قلبت المعادلة وجعلت الملاعب فضاءات للإعتراض والرفض، ولفهم العلاقة بين الرياضة والسياسة لا بد من مقاربتين رئيستين أولاهما المقاربة الوظيفية التي ترى في الرياضة وسيلة لتحقيق الإنسجام الإجتماعي وأداة للضبط الرمزي ضمن ما يُسمى (الدين المدني)، وثانيتهما المقاربة النقدية ذات الجذر الماركسي التي ترى أن الرياضة ليست سوى جهاز أيديولوجي يُستخدم لتخدير الجماهير وترسيخ الهيمنة السلطوية ويُستخدم أيضا في تلميع الأنظمة الفاشية والإستبدادية وإمتصاص التوتر الشعبي.

    فالرياضة(كرة القدم) في العالم وفي المغرب بشكل خاص تشكل مسرحا مكشوفا لأصحاب رؤوس الأموال فهم يصعدون إليها ليحققون الشهرة والنجاح ثم يدلفون من أبوابها إلى عالم السياسة للحصول على السلطة والنفوذ والحصانة، فهل إستفاد الرياضيون من تدخل السياسيين ونالوا الدعم والمال أم أن الفائدة كانت للسياسيين بدرجة عبر دعم شعبيتهم وتعزيز مواقفهم؟، لترجيح كفة طرف على الآخر فيها خلاف لكن العدالة تقتضي القول إن كليهما إستفاد من الآخر والعلاقة بينهما مستمرة ولن تنتهي إزاء الحاجة المتبادلة لكل طرف، والعجيب أن الكثيرين من أهل الرياضة يتمنون لو إنفصلوا عن السياسة وأهلها رغم إعترافهم بعدد من الإيجابيات التي حققها لهم السياسيون وعلى رأسها إنتعاش إقتصاديات الرياضة وزيادة مواردها وحصولها على الدعم الحكومي لكنهم ناقمون على السياسة بسبب محاولات رجالها تسييس الرياضة وسلب عناصر الهواية من جوانبها ويرون أن الرياضة تأثرت سلبا ودفعت ثمنا بسبب العداوات السياسية المتكررة.
    فالدولة المغربية على الرغم من محاولاتها الحثيثة لإحتكار رمزية كرة القدم لم تعد قادرة على إستغلال العاطفة الجماعية كما في السابق فبعد 2011 باتت مجموعات الألتراس تنافس الدولة على التحكم في الخطاب الرمزي وحولت الملاعب من منصات للفرجة إلى ميادين للإحتجاج بحيث تحولت المدرجات إلى منابر للمعارضة وهذا ما أشار إلى تصاعد حدة المواجهة، فلم تعد الرياضة(كرة القدم) مجالا محايدا بل ميدان للصراع الرمزي حيث تتواجه الهيمنة الرسمية بثقافات فرعية تعيد صوغ الإنتماء ومن هنا برزت ضرورة إعادة النظر في موقع كرة القدم ضمن العلوم الإجتماعية والسياسية ليس بصفته رياضة فحسب بل من حيث هو مساحة للسلطة والمقاومة والتعبئة، فظاهرة الألتراس بالمغرب تعبر عن ثقافة مضادة تنخرط في الفضاء العمومي بنفس إحتجاجي لا يخضع للمفاهيم التقليدية للممارسة السياسية بل كفاعل شبابي متمرد ينتج ثقافة سياسية تتحدى الرمزية السلطوية فمن خلال طقوس التشجيع تشكلت هوية جماعية تعكس رفضا صريحا للسياسة والسياسيين وقد أدت وسائل التواصل الإجتماعي دورا محوريّا في تعزيز هذا الوعي ومراكمة سردية إحتجاجية متجددة.

    كثيرا ما يقال (السياسة تفسد والرياضة تصلح) وقد ينطوي هذا القول المشهور على قدر كبير من رجاحة المنطق وسلامة الظن بسبب أن السياسة هي تدبير المصالح والرياضة توحد الشعوب فمنطق الرياضة مؤسس على التوحيد في حين يميل منطق السياسة بطبيعته إلى التنازع والتفرقة أو في أهون الحالات إلى ترشيد التوتر والصراع، فالتفكير مثلا في علاقة السياسة بالرياضة وفي سياق ما صاحب من تنظيم كأس أفريقيا بالمغرب 2025 وأساسا ما صاحب مشاركة المنتخب الجزائري من ردود فعل في وسائل التواصل الإجتماعي فقد تم تبادل التهم والتراشق بالكلمات البذيئة والتحريض على الضغينة والكراهية من الطرفين بين شعبين شقيقين تربطهما أواصر الدين واللغة والتاريخ والمستقبل المشترك وهو ما لا يشرف الماضي النضالي المشترك للجارين المتجاورين، وكان كذلك عوضا أن ينضم المغرب لإسبانيا (دولة إحتلال) والبرتغال لتنظيم كأس العالم في كرة القدم 2030 أن يتوجه إلى دول إتحاد المغرب العربي وتقديم ملف مشترك لتنظيم هذا العرس الكروي في إطار خدمة وحدة الشعوب و تنميتها، لكن للأسف حضرت هنا السياسة وتغلبت على الرياضة.
    عبد الإله شفيشو/فاس