جريدة إلكترونية متجددة على مدار الساعة

المدرسة العمومية.. واقع معطوب بنتائج غير مرضية

قلم الناس : متابعة

رغم ما يتم إنفاقه من ميزانيات وما يتم إقراره من “إصلاحات” ومخططات وإجراءات، تظل المدرسة العمومية بالمغرب مستقرة في مستوياتها المتأخرة، دون أن تسجل أي تحسن ملموس.

فالنتائج التي كشفتها الدراسات في سنوات 2018 و2019 حول تدني مستوى التلاميذ في العمومي وضعف تحصيلهم وتمكنهم من المقررات الدراسية، هي النتائج نفسها التي تم تسجيلها في 2022، ما يعني أن أربع سنوات وأكثر مرت دون التململ قيد أنملة، ودون تحسن يذكر.

نتائج غير مرضية

الدراسة التي أجرتها وزارة التربية الوطنية مطلع الموسم الدراسي الجاري، أكدت أن جل التلاميذ عند نهاية مسارهم في المستوى الابتدائي لا يتمكنون من القراءة السليمة لنص باللغة العربية أو باللغة الفرنسية، ولا يجيدون إنجاز عملية قسمة بسيطة.

وبلغة الأرقام، فإن الدراسة بينت أن 87 في المئة من تلاميذ المستوى الخامس الابتدائي لا يستطيعون إنجاز عملية قسمة بسيطة كـ(76/4)، وأن 77 في المئة منهم لا يستطيعون قراءة نص عربي من 80 كلمة بشكل سلس، و70 في المئة لا يجيدون قراءة نص فرنسي من 15 كلمة، علما أن هذه الأرقام تتعلق فقط بتفكيك الكلمات ولا تحيل على قياس مدى فهم النص، وإلا فإن الأرقام أكثر إفزاعا.

وفي 2019 كشف البرنامج الوطني لتقييم المكتسبات أن 70 في المئة من التلاميذ لا يتحكمون في المقرر الدراسي عند نهاية الابتدائي، ويتفاقم الوضع عند نهاية المستوى الإعدادي، حيث 90 في المئة من التلاميذ لا يتحكمون في المقرر، وهو ما رصده اختبار دولي في 2018 وضع المغرب في مؤخرة البلدان من حيث توفر التلاميذ على الحد الأدنى من الكفايات، إذ جاء في المرتبة 75 من أصل 79 دولة في القراءة، والمرتبة 77 من أصل 79 في الرياضيات.

ولا تتوقع وزارة التربية الوطنية أن تتحسن هذه المستويات المتدنية في الأمد القريب، ففي ميزانيتها لعام 2023 تتوقع الوزارة استمرار المستويات المرتفعة للتكرار، كنتيجة مباشرة لضعف المستوى وعدم التحكم في المقررات الدراسية.

فمشروع الميزانية للوزارة في العام المقبل، رغم الغلاف مالي المهم، يتوقع أن ترتفع نسبة التكرار في الثانوي إلى 12 في المئة، بزيادة عن الموسم الماضي، وأن تستقر نسبة التكرار في ربع تلاميذ الإعدادي (24 في المئة)، وتبلغ في الابتدائي 8 في المئة، وهو الأمر المصحوب بتوقع ارتفاع الهدر المدرسي أكثر خلال الموسم الجاري.

وفي الوقت الذي يؤكد وزير التربية الوطنية ضعف المدرسة العمومية وعدم رضى الأسر المغربية عنها، تنبه تقارير وطنية ودولية إلى أن التطور بالمغرب على المستوى الاقتصادي والاجتماعي وغيره، يبقى رهينا برفع مستوى التعليم، وتجاوز الأعطاب البنيوية التي تبقيه في ذيل التصنيفات العالمية.

بن شريج: غياب المحاسبة

عبد الرزاق بن شريج الخبير التربوي والمفتش بوزارة التربية الوطنية أشار إلى أن الأرقام المتدنية التي كشفت عنها الوزارة سبق أن رصدتها تقارير أخرى، لكن ما لا تتحدث عنه الوزارة هو الأسباب التي أدت لهذه النتائج.

وأكد الخبير التربوي في تصريح لموقع “لكم” أن على رأس الأسباب المباشرة لوضع المدرسة العمومية، هو بقاء نفس المسؤولين الذين يسيرون القطاع في مناصبهم لسنوات طويلة، رغم النتائج السلبية للمنظومة.

وأبرز أن بعض مسؤولي الوزارة الذين أشرفوا على عدة إصلاحات فاشلة، لا يزالون اليوم في مناصبهم، ويشرفون على برامج الإصلاح الحالية التي تأتي اليوم بنتائج عكسية، ضاربا مثلا بالكاتب العام للوزارة الذي عايش أكثر من 10 وزراء ومسؤولين على القطاع دون أن يتغير رغم العواصف والإخفاقات.

وفي هذا الصدد، توقف بن شريج على النتائج السلبية اليوم لرؤية 2015-2030 في ظل بقاء نفس المسؤولين مؤكدا أن المسؤول الفاشل لا يمكن إلا أن ينتج الفشل من جديد، خاصة في ظل غياب المحاسبة.

وأبرز الخبير التربوي أن السياسة العامة للبلاد تؤثر على السياسة التعليمية، خاصة في ظل غياب نخب بالبرلمان والحكومة يمكن فعلا أن تساهم في إصلاح حقيقي، ناهيك عن توجه الدولة نحو التعليم دون التركيز على التربية.

ومن جملة ما يعيق إصلاح المدرسة العمومية، يضيف المتحدث، قلة الأساتذة، وسوء توزيعهم؛ فمناطق تشهد فائضا وأخرى تعرف خصاصا، إضافة إلى ضعف التكوين البيداغوجي للأساتذة وهو ما تكرس في السنوات الأخيرة بانتقاء أعداد كبيرة على حساب الجودة والتكوين.

كما سجل الخبير التربوي، عدم تغيير البرامج والمناهج منذ 20 سنة، في حين أن جميع الدول تعمل على تغييرها في 10 سنوات على الأكثر، في حين يحافظ المغرب على نفس المناهج منذ سنة 2000.

وفي الوقت الذي أكد فيه الخبير التربوي على أن إصلاح المنظومة لا يمكن أن تقوم به الوزارة وحدها، بل ينبغي أن تتظافر فيه جهود الحكومة بمختلف قطاعاتها، شدد على ضرورة وجود إرادة سياسية للإصلاح والتي بدونها لا يمكن أن يتحقق شيء.

السحيمي: الإصلاح حبر على رورق

من جهته قال الأستاذ والفاعل التربوي عبد الوهاب السحيمي إن المغرب لم يدخل بعد في أي إصلاح حقيقي على أرض الواقع، وكل ما يوجد هو كلام وحبر على ورق.

وأوضح السحيمي في تصريح لموقع “لكم” أنه لا يمكن تحسين جودة المدرسة العمومية ونتائجها دون الدخول في إصلاح حقيقي، حيث لليوم لا تزال عدد من النصوص التنظيمية لتنزيل القانون الإطار غائبة، ولم تجد طريقها للنور بعد.

كما أن الرؤية الاستراتيجية لإصلاح التعليم 2015-2030 تشهد تعطلا في تنزيلها ونحن على مشارف 2023، وما جاء به النموذج التنموي لا يزال حبرا على ورق، يضيف المتحدث.

ومن جهة أخرى، توقف الفاعل التربوي على أن الأساتذة الذين سيقومون بتنزيل الإصلاح لا يتم تكوينهم في هذا المجال، ولا يتم تحسين ظروفهم والتجاوب مع مطالبهم التي يحتجون من أجلها، رغم إقرار الحكومة أن “الإصلاح لا يستقيم إلا بتحسين ظروف الأساتذة”.

كما رصد السحيمي ضعف عمل الوزارة على مستوى الحد من الاكتظاظ والهدر المدرسي، ومساعدة الأطفال في المناطق النائية لمواجهة الإكراهات التي تعيق تمدرسهم وتحصيلهم بشكل جيد.

وخلص الفاعل التربوي إلى التأكيد على غياب مجهود حقيقي على أرض الواقع لإحداث التغيير، وهو ما سيجعل نفس الأرقام تظل مستقبلا، فمن الطبيعي أن تؤدي نفس الأسباب لنفس النتائج اليوم وغدا، وستبقى دار لقمان على حالها.

لكم

اترك تعليقا